ابن عبد البر

152

الدرر في اختصار المغازي والسير

لك ونحسن في ذلك ، قال : أترهنوني أبناءكم أو نساءكم ، قال : لقد أردت أن تفضحنا ، أنت أجمل « 1 » العرب فكيف نرهنك نساءنا . وكيف نرهنك أبناءنا فيعيّر أحدهم ، فيقال : رهن وسق « 2 » ورهن وسقين . إن معي أصحابا على مثل رأيي ، وقد أردت أن آتيك بهم ، فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة « 3 » ما فيه وفاء - وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح عليهم إذا أتوه - قال : إن في الحلقة لوفاء . فرجع أبو نائلة إلى أصحابه / فأخبرهم الخبر . وأمرهم أن يأخذوا السلاح ويأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ففعلوا واجتمعوا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فمشى بهم إلى بقيع « 4 » الغرقد . ثم وجّههم ، وقال : انطلقوا على اسم اللّه ، اللهم أعنهم . ورجع عنهم فنهضوا - وكانت ليلة مقمرة - حتى انتهوا إلى حصنه . فهتف به أبو نائلة - وكان كعب حديث عهد بعرس ، فوثب في ملحفة ، فأخذت امرأته بناحيتها ، وقالت : إنك امرؤ محارب ، وإن أهل الحرب لا ينزلون في مثل هذه الساعة ! فقال : إنه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني . فقالت : واللّه إني لأعرف في صوته الشرّ « 5 » ، فقال لها كعب : لو دعى الفتى إلى طعنة أجاب « 6 » . فنزل فتحدث معهم ساعة ، ثم قالوا « 7 » له : يا ابن الأشرف لو رأيت أن نتماشى إلى شعب « 8 » العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا ، قال : إن شئتم ، فخرجوا يتماشون . ثم إن أبا نائلة مسّ فود رأسه بيده ثم شمّها ، وقال : ما رأيت كالليلة طيبا أعطر ، ثم مشى ساعة وعاد لمثلها ، حتى اطمأنّ ، ثم مشى ساعة وعاد لمثلها وأخذ بفود رأسه ، وقال : اضربوا عدوّ اللّه ، فضربوه بأسيافهم ، فصاح صيحة منكرة سمعها أهل الحصون ،

--> ( 1 ) في بعض الروايات : وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم . ( 2 ) وسق : حمل بعير . ( 3 ) الحلقة : السلاح . ( 4 ) بقيع الغرقد : مقبرة أهل المدينة . ( 5 ) في حديث البخاري عن جابر بن عبد اللّه قالت : اسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم . ( 6 ) في الروايات الأخرى : لأجاب . ( 7 ) في الأصل وابن هشام : قال ، وفي المراجع الأخرى : قالوا . ( 8 ) شعب العجوز : موضع بظاهر المدينة .